صفي الرحمان مباركفوري
309
الرحيق المختوم
« أترون نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم ؟ فإن قعدوا قعدوا موتورين محزونين ، وإن نجوا يكن عنق قطعها اللّه ، أم تريدون أن نؤم هذا البيت فمن صدنا عنه قاتلناه ؟ » فقال أبو بكر : اللّه ورسوله أعلم ، إنما جئنا معتمرين ، ولم نجيء لقتال أحد ، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه ، فقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : فروحوا ، فراحوا . محاولة قريش صد المسلمين عن البيت وكانت قريش لما سمعت بخروج النبيّ صلى اللّه عليه وسلم عقدت مجلسا استشاريا ، قررت فيد صد المسلمين عن البيت كيفما يمكن ، فبعد أن أعرض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن الأحابيش ، نقل إليه رجل من بني كعب أن قريشا نازلة بذي طوى ، وأن مائتي فارس في قيادة خالد بن الوليد مرابطة بكراع الغميم ، في الطريق الرئيسي الذي يوصل إلى مكة . وقد حاول خالد صد المسلمين ، فقام بفرسانه إزاءهم يتراءى الجيشان ، ورأى خالد المسلمين في صلاة الظهر يركعون ويسجدون فقال : لقد كانوا في غرة ، لو كنا حملنا عليهم لأصبنا منهم ، ثم قرر أن يميل على المسلمين - وهم في صلاة العصر - ميلة واحدة ، ولكن اللّه أنزل حكم صلاة الخوف ، فقاتت الفرصة خالدا . تبديل الطريق ومحاولة الاجتناب عن اللقاء الدامي وأخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم طريقا وعرا بين شعاب ، وسلك بهم ذات اليمين بين ظهري الخمش ، في طريق على ثنية المرار مهبط الحديبية من أسفل مكة ، وترك الطريق الرئيسي الذي يفضي إلى الحرم مارا بالتنعيم ، تركه إلى اليسار ، فلما رأى خالد قرة الجيش الإسلامي قد خالفوا عن طريقه انطلق يركض نذيرا لقريش . وسار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، حتى إذا كان بثنية المرار بركت راحلته ، فقال الناس : حل حل ، فألحت ، فقالوا : خلأت القصواء ، خلأت القصواء ، فقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق ، ولكن حبسها حابس الفيل » ثم قال : « والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات اللّه إلا أعطيتهم إياها » ثم زجرها فوثبت به ، فعدل حتى نزل بأقصى الحديبية ، على ثمد « 1 » قليل الماء ، إنما يتبرضه « 2 » الناس تبرضا ، فلم يلبث أن نزحوه ، فشكوا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم العطش ، فانتزع سهما من كنانته ، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه ، فو اللّه ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا .
--> ( 1 ) ثمد : حوض . ( 2 ) يتبرض : يأخذ منه القليل .